فهرس الحلقات

مقالات ولقاءات

1998/10/18م

الشريعة والحياة - قناة الجزيرة الفضائية - الأحد الساعة السادسة بتوقيت غرينتش

الزواج في الإسلام (الجزء الثاني)

مقدمة

آداب الخطبة

أسس الاختيار الصحيح

الإفراط والتفريط في الخطبة

الفهم الخاطئ لحديث "تنكح المرأة لأربع .."

نصائح للآباء والشباب

تساؤلات المشاهدين

مقاطعة الأصهار

العُرف يؤخر الزواج أحياناً

أنا ممتنة لأبي

إجبار الآباء للفتيات

لم ينفِّذ الشروط

يريدني على شرط أن أتحجب

الزواج للحصول على الجنسية

هل الجاهة زواج؟

رأى أخت زوجته على شريط الفيديو

هرب البنت وزواجها

الزواج من شيعية

تريد شاباً غير ابن عمها

توكيل الأب

هل أنا مغشوش؟

الزواج من غير ولي

هل أتزوج شاب يشرب الخمر؟

 

المقدمــة

نستكمل معكم اليوم موضوع الزواج، الذي بدأناه في الحلقة السابقة وتناولنا بعض جوانبه، ولكن بقيت هناك جوانب عديدة وهامة مثل آداب الخطبة والزواج، وكيف يختار الرجل زوجته، وكيف تختار المرأة زوجها، كما نفسح المجال أمام بعض الرسائل التي وصلتنا والتي حملت الكثير من المشكلات الهامة التي يواجهها المقبلون على الزواج.

المقدم
من الأشياء الأساسية التي لاحظتها من خلال دراستي للموضوع أنها تلعب دوراً أساسياً في مشكلات ما بعد الزواج هي قضية الاختيار، وكيف يختار الإنسان من البداية شريكة حياته، وكيف تختار المرأة زوجها وشريك حياتها، فما هي الأسس التي يمكن أن يكون الاختيار فيها صائباً لكلا الطرفين؟

القرضاوي
لاشك أن الخطوة الأولى واللبنة الأولى في بنيان الزواج تبدأ بحسن الاختيار، أن يحسن الرجل اختيار زوجته، وأن تحسن المرأة وأولياؤها اختيار الزوج المناسب، هذا شيء أساسي، والحكماء من قديم قالوا على الرجل أن يفتح عينيه واسعتين قبل الزواج، وأن يغمضهما نصف إغماضة بعد الزواج، فقبل الزواج يفتح عينيه ويبحث، ما هي الشروط المطلوبة، فكل واحد لديه شروط ومواصفات في الزوجة التي يريدها شريكة لحياته، وأماً لأولاده، فلكل إنسان مواصفات معينة، فقد لا يهتم واحد بالثقافة لدى الزوجة ولكن آخر قد يهمه أن تكون امرأته مثقفة، واحد يهتم بالجمال قبل كل شيء فلابد أن تكون امرأته على قدر من الجمال تشبع نهمه، ولا تجعله تزيغ عينيه إلى هذه أو تلك، فالإنسان لابد أن يتخير، والنبي عليه الصلاة والسلام قال "تخيروا لنطفكم فإن العرق نزاع" فهذه قضية الوراثة أيضاً.

المقدم
الآن قضية التخير، الإنسان لابد أن يرى أصل وفصل وطبيعة أسرة الزوجة التي سيتزوجها.

القرضاوي
طبعاً، وهذا لأن الإنسان لا يتزوج المرأة فقط، هو يتزوج المرأة ويصاهر أهلها، والمرأة بنت بيئتها، ولذلك قيل "إياكم وخضراء الدِمن" وفُسِّر "خضراء الدمن" بالمرأة الحسناء في المنبت السوء، شكلها جميل ولكن أخلاقها رديئة فخضراء الدِمن هي الحشائش التي تنبت في أماكن القذارة، فهي خضراء ولكن تحتها قاذورات والعياذ بالله، فالإنسان لا يعجبه مجرد المظهر، فلابد أن يبحث، والشاعر قديماً قال لأولاده ممتنا عليهم:

لماجدة الأعراق باد عفافها

وأول إحساني إليكم تخيري

فأول فضل لي عليكم أنني اخترت لكم أماً طيبة، اخترت لكم معدناً حسناً، فهذا هو التخير للنطف وقوانين الوراثة، وهذا حتى من الناحية العضوية، تعرف أن الآن في كثير من البلاد تطالب بالكشف الطبي على الزوجين قبل الزواج حتى يطمئن كلا الطرفين أنه لا يوجد في الآخر عيوب معينة أو أمراض خطيرة أو مؤذية أو عائقة، والرسول عليه الصلاة والسلام قال في الحديث الصحيح "تنكح المرأة لأربع، لحسبها ولجمالها ولمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك" هذه المرغِّبات فكل واحد يبحث عن شيء معين ولو اجتمعت هذه الأشياء فهذا شيء جيد جداً، فلو استطاع الشخص أن يجدها نسيبة وجميلة وغنية وصالحة فهذا يكون سمن على عسل كما يقولون، إنما إذا كان ولابد من اختيار واحدة من هذه الأربع فعليك بذات الدين، اظفر بذات الدين تربت يداك ولذلك جاء في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم "الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة" ويقول النبي عليه الصلاة والسلام "من رزقه الله امرأة صالحه، فقد أعانه على شطر دينه ـ نصف دينه ـ فليتق الله في الشطر الباقي" فيبحث عن المرأة الصالحة، بعض الفلاسفة يقول: "المرأة الجميلة جوهرة ثمينة، والمرأة الصالحة كنز عظيم"، فهي ليست مجرد جوهرة أو لؤلؤة أو درة ثمينة، بل هي كنز، فالمسلم يبحث عن المرأة الصالحة كما جاء في الحديث الذي رواه ابن ماجه "لِما استفاد المؤمن بعد تقوى الله تعالى خيراً له من امرأة صالحة، إن نظر إليها سرَّته، وإن أقسم عليها أبرَّته، وإن أمرها أطاعته، وإن غاب عنها حفظته في نفسها وماله" ثم تلا (فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله) فلابد للإنسان أن يكون واضع مواصفات للمرأة التي يختارها، وكذلك المرأة تضع مواصفات للزوج الذي تختاره، وعلى أوليائها أن يعرفوا رغبتها ولا يجبروها على أن تتزوج بغير ما ترضاه، أحياناً تُجبر الفتاة المثقفة على أن تتزوج رجلاً أمياً، وهذا لا ينبغي، فلابد من حسن الاختيار، والشرع لكي يجعل هذا أمراً معقولاً طلب من الإنسان أن ينظر إلى مخطوبته.

المقدم
هناك من يفهم خاطئاً بأن المرأة تنكح لأربع وهو الحديث الذي ذكرته من أنه يجب أن يتجنب الصفات المال والحسب والجمال ويركز فقط على ذات الدين.

القرضاوي
هي تنكح لهذه الأمور ولكن يركز على ذات الدين، إنما خير النساء من تسر إذا نُظرت، وتطيع إذا أُمرت، هناك صفات أخرى، قال النبي صلى الله عليه وسلم لجابر عندما تزوج ثيباً: "هلَّا بكراً تداعبها وتداعبك، أو تلاعبها وتلاعبك، أو تضاحكها وتضاحكك" وقال "عليكم بالودود الولود" أو "تزوجوا الودود الولود" الودود التي تحب زوجها وليست إنسانة منقبضة نكدية، ابحث عن الودود الولود، والولود تعرف من أقاربها، أمها، عمتها، خالتها وهكذا، فليس المقصود أن تتزوج متدينة، ولكن لا تعجبك من أول الأمر، فلابد أن تقع من نفسه موقعاً، فالجمال أمر نسبي وذاتي، فشخص ينظر لواحدة ويعتبرها جميلة ومقبولة جداً، وآخر لا يراها كذلك، لأن الناس ليس لديهم مقاييس محددة، وكما يقولون هناك الحب من أول نظرة، فواحد يرى واحدة فتعجبه من أول رؤية، وآخر لا تحُرِّك عنده ساكناً ولا يميل إليها أبداً، فمن أجل هذا حينما جاء المغيرة بن شعبة وقال: يا رسول الله خطبت امرأة، فقال: هل نظرت إليها؟ قال: لا، قال "اذهب فانظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما" أي يحدث بينكما الائتدام والائتلاف والوفاق، العين رسول القلب، هناك صلة بينهما، انظر إليها، وجابر بن عبد الله لما سمع الرسول عليه الصلاة والسلام يقول "إذا أراد أحدكم أن يخطب امرأة فلينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها" قال "فخطبت امرأة فكنت أتخبأ لها تحت شجرة حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها" فقد يكون رأى جسمها، أو وجهها، فكل إنسان له شيء يهتم به.

المقدم
فهذا يؤكد المطالب الخاصة، فإذا كان لإنسان مطالب خاصة يجب أن يحددها ويسعى إلى أن يحققها فيمن يرغب بالزواج منها.

القرضاوي
نعم، وهو رآها بدون أن تعلم ولذلك قال العلماء: ليس من الضروري أن تعلم المرأة أن الرجل يريد أن يخطبها، بل البعض قال: لعل هذا هو الأوفق، فهناك واحد يقول: أنا خطبت عشرين امرأة ولم تعجبني واحدة منهن، فهو جرح شعور عشرين فتاة يراها فيذهب رسمياً ويحسنوا ضيافته، يقدموا له قهوة أو شاي أو شربات، وفي النهاية لا تعجبه الفتاة، فالعملية تجرح المشاعر.

المقدم
هذا يدفعنا إلى أن نسأل عن آداب الخطبة نفسها، ما هي الآداب الشرعية لتحقيق قضية الخطبة، فلقد وضحت قضية الاختيار، الآن الخطوة الثانية وهي الخطبة، ما هي الخطوات الشرعية التي تتم في إطار الخطبة؟

القرضاوي
الخطبة هي مقدمة للزواج، بعض الناس تريد أن تجعل الخطبة كأنها زواج، بعض الناس يقول لي: نحن عملنا خطبة، وعملنا حفلة ودعونا الناس، وعملنا وليمة وقرأنا الفاتحة، فهل يعتبر هذا زواجاً؟ قلت لهم: هذا ليس زواجاً، لا عرفاً ولا لغةً ولا شرعاً، هذه مقدمة للزواج، الزواج ركنه الإيجاب والقبول، زوجتك وقبلت، فمادام هذا لم يحدث فلم يحدث الزواج، فالخطبة هي إعلان الرغبة، أنا خطبت ابنتك أو أختك فلانة، وأتقدم إلى الأسرة وتكون هذه فرصة للتعرف على العائلة، والتعرف على المخطوبة، فهو يتعرف عليها وهي تتعرف عليه، فمن حق الفتاة أن ترى الرجل أيضاً، فإذا كان قال له "انظر إليها" فهي يجب أن تنظر إليه، لأنها تريد منه ما يريد منها، فلماذا يكون من حق الرجل أن يرى المرأة وليس من حقها أن تراه؟! فهي رؤية متبادلة، فلا مانع أن يذهب إلى الأهل ويطلبها وعلى الأسرة أن تتيح لهما في أيام الخطبة فرصة، أن يجلس كلاهما إلى الآخر في غير خلوة.

المقدم
هذه نقطة مهمة، فهناك الكثير يتقدمون للخطبة ويعتبر أنه يحق له أن يخلو بالمخطوبة لكي يعرفها عن قرب ويتدارس أخلاقها وهي تتدارس أخلاقه.

القرضاوي
في هذه القضية نحن في كثير من قضايانا الاجتماعية والفكرية نقع بين طرفي الإفراط والتفريط، هناك أناس أفرطوا فتركوا الحبل على الغارب للخاطب والمخطوبة، واعتبروا الخاطب هذا كأنه زوج، فهو يخلو بها في البيت، ويخلو بها خارج البيت، ويتأبط ذراعها ويذهب إلى السينما، أو إلى المنتزه أو يسافر، فكل هذا من أجل أن يتعرف عليها وأن يختبرها، هذا غلو وإفراط حقيقة، لأنها لا تزال أجنبية عنه، لم يقم بينهما عقد، فلا يحق له ولا لها الخلوة ولا الجلوس وحدهما، ولا الذهاب إلى السينما وحدهما يمكن أن يذهب أخوها معها، يذهبوا ويجلسوا معاً في مكان، وهما في البيت أيضاً في حجرة ومعهما حماته (أم المخطوبة) ولكن لا يُغلق عليهما باب، فالخطر في ترك الأمور طليقة بدون ضوابط، ثم نفرض بعد فترة وبعد ما جلس معها مدة لم تعجبه، ويقول: ليست هذه الفتاة التي ابحث عنها، فبعد ما دخلت مراراً وتكراراً وخرجت معها هنا وهناك، ورآك الناس غاديا ورائحاً وذاهباً وآيباً، بعد ذلك تتركها فماذا يقول الناس؟!، فهذا صنف والذي يمثل الإفراط، فالصنف الآخر يمثل التفريط، الذين لا يسمحون لرؤية المخطوبة بحال، ولازال الناس في الخليج هنا، لا يرى الخاطب مخطوبته إلا ليلة الزفاف، وهذا لا يجوز، فلابد أن يراها، والعجيب أن البنت ربما تذهب إلى الجامعة أو إلى المدرسة الثانوية، وتذهب إلى السوق وقد تسافر إلى أي بلد عربي أو أجنبي، ويراها الناس في هذه الأماكن وهناك إنسان مسكين وحيد هو الذي لا يراها وهو خاطبها وربما هذا قد يصدم الإنسان.

المقدم
هو مخطئ أيضاً أن يقبل الزواج بهذه الطريقة فلماذا نحمِّل الآخرين هذا الخطأ؟

القرضاوي
هذا من ضغط المجتمع، الآن خفت حدَّة الأمور وأصبحوا يبعثوا له صورة، فقد تحضر له أخته أو قريبته صورة لها فينظر لها فهذا يخفف الأمور ولكن أحياناًالصورة لا تكون معبرة عن الحقيقة فأحياناً ترى أناس في الصورة شكلها جيد ولكن الحقيقة مخالفة لهذا.

المقدم
كذلك لابد أن يسمع حديثها معه ويقرر على هذا الأساس.

القرضاوي
نفس الرؤية ليست مجرد رؤية الوجه إنما هي رؤية الشخصية، فهو يريد أن يستمع إليها ربما تكون خنفاء أو لدغاء أو تتئتئ ولا يحب هو هذا، فهو يسمع كلامها فقد يعجبه صوتها أو لا، فالنظرة بحيث أنه لا يتعرف فقط على مجرد وجهها إنما يتعرف على شخصيتها من بعض الحديث، من بعض الأسئلة من بعض الكلام، يتعرف عليها وهي تتعرف على شخصيته، المهم أن فترة الخطبة هي فترة تعرف، بحيث إذا كان كل منهما مناسب للآخر فيتممون عقد الزواج، وإلا كل واحد يذهب إلى حال سبيله قبل أن تدخل الفأس في الرأس.

المقدم
بعثت لي أخت من المغرب في رسالة مطوِّلة خلاصتها أنها عمرها 32 عاما، ومتدينة ولكن تقول أن أعراف الخطبة عندهم إذا أراد الإنسان أن يخطب فتاة أن يخرج معها ويروح ويأتي، وربما هذا سبب من أسباب تأخرها في الزواج، ماذا تفعل إذا وصلت أعراف المجتمع إلى هذا الحد؟

القرضاوي
الأعراف تخضع للشرع وليس الشرع يخضع للأعراف، لو استجبنا للأعراف في كل شيء معناها أننا أبطلنا الأحكام الشرعية، لابد أن نوعي الناس بأن يخضعوا لأمر الله ونهيه، توجيهات الشرع فوق أعراف الناس وعاداتهم، أحياناً هناك أعراف تحكم المجتمع، نحن للأسف تحكمنا نوعان من الأعراف والعادات، أعراف وعادات من رواسب عصور التراجع والتخلف الحضاري عند المسلمين، فهذه الأعراف التي فيها الكثير من التزمت والتشدد، مثل ما ذكرت الذين لا يسمحون بمجرد الرؤية، وهناك أعراف أخرى دخيلة من الحضارة الوافدة الغازية، الحضارة الغربية، فالأخت تتحدث عن هذا النوع الثاني من الأعراف، الذين أباحوا للفتيات أن يخرجن مع الذين يخطبوهن ولا ندري ماذا يحدث بعد ذلك، وقد يحدث ما لا تحمد عقباه، وقد تحدث أشياء ثم يتركها الرجل، فهذه خطيرة، فالأولى أن يخضع الناس للشرع وفيه الخير كل الخير إن شاء الله.

المقدم
عندي رسالتين واحدة من مشاهدة في فلسطين والأخرى لم تذكر اسمها، ولكن يحملان مشكلة واحدة، فواحدة عمرها 27 سنة أكملت دراستها الجامعية في دولة أوروبية، وتحمل جنسيتها ويتقدم لخطبتها شباب متدينين، وهناك شاب أعجبها وهي تريد الزواج به لكن أهلها يريدون إجبارها على الزواج من قريب لها، وهي لا تحب هذا القريب، وهي الآن في وضع أجبرها أبوها عليه: إما أن تتزوج هذا وإلا لن تتزوج، والأخرى أيضاً عندها نفس المشكلة، فماذا تفعلان في مشكلتهما، هذه تقول أنها ممكن أن تتزوج قريبها ثم تجبره على طلاقها وتتزوج ممن تحب، هنا قضية حق البنت في اختيار الزوج وإجبار الأهل لها أن تتزوج قريبها.

القرضاوي
هذه مشكلة خالدة للأسف، بعض الآباء يظنون أن من حقهم أن يُكرِهوا بناتهم على أن تتزوج بمن يريدون هم، لا بمن تريد هي، هذا خطأ شرعي وخطأ أخلاقي، لأن معنى أن تجبر الفتاة على أن تتزوج من لا تريد كأنك تدخلها في جحيم، فالإنسان إذا لم يتزوج برغبته وإرادته، فمعناها أن يعيش حياة غير سعيدة ولا صالحة، وليس هناك حل لهذه القضية إلا أن يعي الآباء أنه ليس من حقهم أن يجبروا البنات على ما يريدون، النبي عليه الصلاة والسلام طلب أن يؤخذ رأي الفتاة حتى لو كانت بكراً، فقالوا: البكر تستحي يا رسول الله، قال "إذنها صماتها" يعني يكفي أن تسكت فهذا دليل على الرضا، وجاءت إحدى الفتيات وشكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إن أبي يريد أن يزوجني من ابن أخيه وأنا له كارهة، فقال لها: أجيزي ما صنع أبوك، قالت: إني له كارهة، قال: أجيزي ما صنع أبوك، قالها مرة واثنين وثلاثة وهي ترفض، ثم قال لها: أنت حرة، فقالت: يا رسول الله أجزت ما صنع أبي ولكن أردت أن يعلم الآباء أن ليس لهم من أمر بناتهم شيئاً، فهذا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، فالبنت من عقلها وحسن فهمها أرادت أن تكسب هذا المبدأ لبنات جنسها، ولكن للأسف كثير من الآباء يزوجون بناتهم بالإجبار والإكراه، ولا تزال في كثير من المجتمعات خصوصاً في المجتمعات الخليجية، أن ابن العم هو أحق، مع أنه الآن علم الوراثة يقول أن تكرار الزواج من أولاد العمومة كثيراً ما يتسبب في تركيز العيوب الوراثية، ويحدث العوائق أو التعويقات والتشوهات في الأبناء، فمن عدة أيام عمل شخص دراسة في إحدى الصحف القطرية عن كثرة المعوقين في عصرنا بالآلاف في مجتمع مثل قطر، هذه من الأشياء المسجلة، إنما هناك أشياء غير مسجلة وهي ظاهرة تلفت النظر والكثيرون يقولون أن هذا من أسبابه من غير شك، كثرة الزواج من الأقارب وبنات العمومة.

المقدم
يفهم من هذا الكلام أن هناك إثم يقع على الأبوين إذا أجبروا ابنتهم على الزواج بدون رغبتها؟ وهل هناك إثم يقع على الزوج الذي يعلم أن زوجته أجبرت على الزواج منه أيضاً؟

القرضاوي
قطعاً من غير شك، إذا زوجها أبواها بدون رغبتها فهما آثمان، وعلى الزوج أيضاً إثم، فالمفروض لو علم أن يرفض هذا والواقع أحياناً أنا أعرف كثيراً من أولاد العمومة هو لا يرغب في الزواج من ابنة عمه ولا هي ترغب في الزواج منه، ولكن كلاهما يخضع لضغط القبيلة أو ضغط الأسرة، ولو أن كل منهما تزوج من يريد لكان أفضل، وكثيراً ما يؤدي هذا الزواج إلى الطلاق بعد فترة من الزمن أو إلى التعليق، أن يتركها معلقة لا هي متزوجة ولا هي مطلقة، هو من حقه أن يتزوج واحدة أخرى قد يتزوجها في العلن وقد يتزوجها في السر، وقد يتزوج في بلد آخر، ويترك هذه مهجورة معلقة، لا حول لها ولا طول.

المقدم
عندي مشكلة من نوع آخر فتاة كانت عائلتها مسيحية ثم أسلمت العائلة ولكنها لم تلتزم بالإسلام التزام كامل، والآن تقدم لها من يريد خطبتها ويريد منها أن تتحجب وظروف عائلتها كعائلة حديثة العهد بالإسلام لا تسمح بذلك لأنه قد تضغط عليها العائلة، لكن الذي يريد خطبتها يصر على ذلك، هي تسأل ماذا تفعل في هذه المشكلة؟

القرضاوي
هل عائلتها ستفرض عليها الزي حتى بعد زواجها؟ إذا كان وهي عندهم يفرضون عليها يصبر حتى تكون عنده وهو حر مع زوجته بعد ذلك وليس من شأن العائلة أنها تتدخل في زي الزوجة، فإذا كانت هي مسلمة وحسن إسلامها، وإن كانت حديثة عهد، وبعض حديثات العهد بالإسلام يكن أكثر حماساً للالتزام من المسلمات القديمات، فإذا كان رأى فيها صدق الرغبة وقوة الإرادة على أن تلتزم ولكن الحائل والحاجز الوحيد بينها وبينه الالتزام هو أهلها يمكن أن يعذرها في هذه الحالة حتى يتزوجا وتدخل عنده وتلتزم، إذا عرف منها الصدق فيمكن أن يعذرها هذه المدة.

مشاهد من الأردن
نحن من عاداتنا في الأردن إذا اتفق شخصين على الزواج فأولاً تذهب جاهة من أهل العريس إلى بيت العروس ويقوم شخص من طرف أهل العريس بطلب العروس، ويرد عليه شخص من أهل العروس، أما قضية كتب الكتاب شرعياً أو قانونياً يتم فيما بعد، بعد أسبوع مثلاً، فهل قضية الجاهة تكفي أن تكون زواجاً شرعياً، هو عرفاً أمام الناس وأمام الدولة لا يصبحا زوجين إلا عندما يكتب الكتاب، فهل الجاهة تكفي بما أنه قد حدث إيجاب وقبول؟

القرضاوي
لا يا أخي لم يحدث الإيجاب والقبول، هو طلب وإعلان للرغبة، هذه هي الخطبة، الجاهة هذه لم يقل فيها: زوجتك ابنتي أو موكلتي فلانة، والآخر يقول: قبلت، فالإيجاب والقبول لم يحدث، إنما هي طلب وقبول، هذه هي الخطبة، فالخطبة هي إبداء الرغبة في الزواج، فقراءة الفاتحة هذه خطبة والناس لا يعتبرونها زواجاً وهذا صحيح، لا العرف والشرع ولا القانون يعتبرها زواجاً فهي خطبة ومقدمة للزواج.

مشاهد من الدوحة
يا شيخنا هناك آباء وعائلات تغلي في المهور ويحولوا دون زواج بناتهم من الشاب الذي يريدونه، ويحدث في بعض الأحيان أن البنات تضطر للهروب، وتتزوج بعيداً عن أهلها فما حكم الشرع في هذا؟

المقدم
إذا أحبت الفتاة رجلاً لم يقبله أهلها هل يحق لها أن تهرب وتتزوجه؟

القرضاوي
أنا لا أحب هذا ولا أنصح أي فتاة مسلمة أن تفعل هذا لأنها إذا تزوجت بغير رضا أهلها وبالخروج عليهم سيكون موقفها ضعيفاً أمام زوجها وأمام المجتمع، ولو أن زوجها بعد ذلك أساء عشرتها ـ كما يحدث في كثير من الأحيان ـ قد يكون أظهر لها في أول الأمر نوعاً من الود أو من اللطف وبعد العشرة تجده إنساناً آخر، في هذه الحالة لن تجد أحداً يدافع عنها، لأن أهلها سيقولون لها ذوقي مرارة اختيارك أنت، أنت أسأت الاختيار، هي حتى لا تستطيع أن تخبرهم، هو يعذبها ويسقيها المر والعلقم ولا تستطيع أن تتكلم لأنها هي المسؤولة، ولذلك رغم قسوة الأهل في هذه الحالة، أنا أنصح الفريقين، أنصح دائماً الأهل أن يصغوا إلى الفتاة، ولا يضربوا بكلامها عرض الحائط، وأرجو من الفتاة أن تصغي إلى أهلها أيضاً، لأنه أحياناً قد تكون مخدوعة، خصوصاً في بعض الأحيان يقولوا لك أنها تحب واحد، أي حب؟ أحياناً يكون الحب عن طريق التليفون، واحد تكلم معها حتى تعلقت به، هذا لا ينبغي أن يكون أساساً للزواج، لأن الشخص الذي يكلم فتاة من وراء أهلها، وهو يعاكسها ثم تعلق بها وتعلقت به لا يؤتمن، إنما إذا كان حب حقيقي، هي تعمل في مكان وهناك زميل لها ويلتقيان بالمصادفة، فلابد أن نفرق بين الأشياء، فأنا أرى أن الأهل يصغون للفتاة والفتاة تصغي لأهلها، وعندنا حديث النبي عليه الصلاة والسلام أن رجلين تقدما لخطبة امرأة، أحدهما غني كبير السن والثاني شاب فقير، فالفتاة رفضت الغني العجوز وهويت الشاب الفقير، ثم ذهبوا واشتكوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم فقال عليه الصلاة والسلام: "لم يُر للمتحابين مثل النكاح" أي ليس هناك علاج للمتحابين إلا أن يتزوج كلاهما الآخر، توفق بين رأسين بالحلال على كتاب الله وسنة رسوله هذا هو الأولى، إذا كان حباً حقيقياً ولم يجئ عن طرق غير مشروعة، فينبغي للأهل أن يحاولوا التوفيق بين رغبتهم ورغبة ابنتهم، وأي أب لا يريد لابنته إلا الخير والسعادة.

مشاهد من الدوحة
إذا أردت أن أزوِّج أختي أو ابنتي لابن عمها وأنا أعرف أنه على دين وخلق ولكن الفتاة رفضت ذلك وهي تريد الزواج من آخر والله أعلم بدينه وأخلاقه.

القرضاوي
إذا تقدم شخص لطلب أختك أو ابنتك فالمطلوب منك أن تسأل عن هذا الشخص، ما دينه؟ ما خلقه؟ ما مركزه؟ ما وظيفته؟ ما سيرته في الناس؟، واسأل عن كل ما تريده، وسوف تجد من يدلك على هذا الشخص، والإنسان يعرف الشخص من وجهه، فلو جاء وجلست معه تعرفه، ويقول الشاعر

في وجهه شاهد من الخبر

لا تسأل المرء عن خلائقه

الإعرابي قديماً ـ الرجل البدوي ـ يقول: "إذا نظرت الرجل عرفته من قفاه" فإذا رأى قفا الرجل يعرفه، قالوا له : من قفاه؟ قال: نعم، قال: فكيف إذا رأيته ـ أي من وجهه ـ قال: "هذا كتاب أقرأه"، فالإنسان يستطيع أن يعرف الشخص إذا جلس معه وسمع كلامه، يسأل جيرانه، فعندما سأل سيدنا عمر عن شخص جاء آخر يشهد له فقال له سيدنا عمر: أنت جاره الأدنى الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ فإذا كان موظفاً اسأل زملاءه في العمل، إذا كان مدرساً اسأل في المدرسة، فالإنسان عنده أكثر من وسيلة لكي يتعرف على الشخص، فإذا رضي دينه وخلقه فليزوِّجه، مادام البنت لا تريد قريبها، والحديث الشريف الذي كررناه وحفظه الجميع "إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض" فهذا هو الذي ينبغي، إنما أن نجبر البنت أن تتزوج وهي كارهة يكون زواجاً تعيساً، لا تَسعد هي ولا تُسعد زوجها، فليس هذا هو الزواج الشرعي.

مشاهد من الجزائر
تزوجت من حوالي شهرين وبعد إتمام مراسم الزفاف من حوالي يومين اكتشفت أن هذه الزوجة ضعيفة البصر، فعرضتها على بعض الأخصائيين وأكدوا لي أن مقدار الرؤية التي تتمتع بها حوالي واحد على عشرة، يعني أن بصرها ضعيف جداً، وهذا الضعف وراثي وأنا أخاف على نسلي من هذه المشكلة، فهل أنا في نظر الشرع مغشوش أم لا؟ وكيف نسمي هذا الأمر الذي وقع بي هل هو ابتلاء فأصبر عليه أم أغيره؟ وبماذا تنصحونني؟ جزاكم الله خيراً.

القرضاوي
إن الذي وقع هو نوع من التدليس كان يجب على الفتاة أو على أهلها أن يبينوا للشخص هذا العيب وخصوصاً أن نظرها ضعيف جداً فواحد على عشرة يعني أنها لا تكاد ترى، ثم إذا كان هذا عيباً وراثياً فهو في الغالب يورَّث للذرية، فهو في الحقيقة غُش في هذا، فهو من حقه أن يطالب بتعويض أو شيء من هذا، لأنه دُلِّس عليه في أمر يراه مهماً، ويمكن أن يتجاوز لو كان نظرها ضعيف قليلاً، إنما هذا معناه أنها ـ لا قدَّر الله ـ قريبة من العمى، فالمفروض في هذه الحالة أن الناس يكشفوا الحقائق، ولا يخبئ هذا، فإنه لابد أنه ستنكشف الحقيقة يوماً، فسوف يتزوجها ويعيش معها عمراً فسوف يعرف ذلك، فبدل أن يعرف ويفاجئ بعد الزواج لابد أن يُشرح له هذا فقد يقبل، فلو كان عاجبه شكلها أو عقلها وعندها من المزايا ما يغطي ضعف البصر، هناك أناس تتزوج عمياء، فالفتاة التي كُفَّ بصرها ألا تتزوج؟ هناك من يتزوج مكفوفة البصر، وخاصة أن الله سبحانه وتعالى ـ كما ذكرنا في حلقة المعوقين من قبل ـ يعطي الإنسان المعوق تعويضاً، إذا كان عنده ضعف في حاسة يعطيه قوة في حاسة أخرى، تعوض النقص في هذا، فكان يجب في الواقع أن يقولوا له الحقيقة ويبينوها له قبل الزواج، فإما أن يرضى الأخ بما قسم الله له، خصوصاً إذا كان عندها مزايا، إنسانة على خلق، على دين، على عقل، فقد يكون لديها عقل يغنيها عن قوة البصر (فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور) إذا كان عندها من الفضائل والمزايا ما يغطي هذا النقص فليقبل هذا وليرضى بقسمة الله ولعل الله يعوضه خير من هذا، وهذا خير لاشك من الانفصال والطلاق الذي قد يكسر قلب هذه المرأة التي لم يكن هذا من شأنها، هي عيبها أنها لم تقل هذا ولعل العيب يقع على أهل الفتاة أكثر من الفتاة نفسها، فعلى الأهل أن يبرزوا العيوب وخاصة إذا كان عيب واضح، فلو كان ضعف البصر ولكن ليس إلى هذا الحد فليس يضره أن تكون عينيها ستة على ستة فليش شرطاً أن تكون الواحدة عينها ستة على ستة.

مشاهدة من تونس
أنا فتاة عمري 31 سنة وأشتغل كأستاذة جامعية ولم يتقدم لي لحد الآن شاب مسلم صحيح، فكلما يتقدم شخص يكون فيه عيب، إما أنه لا يصلي، أو يشرب الخمر، أو عنده بعض المشاكل دينياً، فهل أستطيع أن أقبل بشخص يشرب الخمر مثلاً، وما هو حكم ذلك في الشرع؟

القرضاوي
الله تعالى يقول (الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات) فلابد أن يكون هناك قدر من التوافق ما بين المرء وزوجه، فإذا كانت هي أخت ملتزمة بدينها، حريصة على أداء فرائض ربها، واجتناب ما حرم الله عليها، لكنها رزقت بإنسان يشرب الخمر ولا يصلي، يترك ما أمر الله به ويستحل ما حرم الله، فلا يمكن أن تسعد مع هذا الرجل، ستكون حياتها معه جحيماً، فالواحدة لماذا تتزوج؟ فقط لمجرد الزواج، أو لتقيم أسرة سعيدة، فمع هذا الشاب لن تستطيع أن تقيم البيت المسلم الذي تنشده، فهي تصبر وتنتظر وتدعو الله سبحانه وتعالى أن يهيئ لها ابن الحلال الذي يليق بها، أما أنا فلا أنصح أي مسلمة أن تتزوج إنساناً سكيراً، أو إنساناً مدمناً أو إنساناً يترك فرائض الله الأساسية مثل الصلاة.

مشاهد من هولندا
في هولندا مجموعة من الإخوان المسلمين يُحرِّمون معاملتهم مع أبوي الزوج الذي تزوج للتو، ولا يريدون المعاملة إلا مع الابن فقط، فهم يحرمون العلاقة بالأصهار، لأن البنت تزوجت الشاب ولم تتزوج أهله.

القرضاوي
الزواج كما قلنا في أول الحلقة أن العلاقة ليست فقط بين الرجل وزوجته فقط، بل أصبحت العلاقة بينه وبين أهلها، لذلك نحن نقول أن الإسلام بلغ القمة في التسامح حين أجاز للمسلم أن يتزوج من كتابية ـ مثلاً مسيحية ـ لأنه معنى هذا أنه ربط بينه وبين أهلها برباط المصاهرة، والله تعالى يقول (وهو الذي خلق من الماء بشراً فجعله نسباً وصهراً) فالمصاهرة رابطة من الروابط الأساسية بين الناس لأنه سيكون أهلها أصهاره فأبوها جد أولاده، وأمها جدة أولاده، ستكون أختها خالتهم، وسيكون أخوها خالهم، وأولاد هؤلاء سيكونون ذوي قربى وذوي رحم، فهذا الرباط هو رباط شرعي ومقصود، فمن أهداف الزواج توسيع الرابطة وتوثيقها بين الناس بعضهم وبعض، فلا يجوز للإنسان أن يقول أنا تزوجت المرأة ولم أتزوج أهلها، فهؤلاء أصهارك ولهم حق المصاهرة، ينبغي أن تمتد الثقة وبعض الناس حتى الذين تزوجوا من غير المسلمين حينما أحسنوا العشرة مع زوجاتهم ومع أهل زوجاتهم، كان هذا سبباً في دخولهم الإسلام، فالأدب الإسلامي أن يعامل الإنسان أصهاره معاملة طيبة.

المقدم
هناك أخت من بلجيكا تقول أنا امرأة لي 3 بنات زوجني أبي وعمري 17 عاماً ولم أكن موافقة على هذا الزواج، الآن عمري 31 عاماً وبعد 14 عاماً من الزواج ورغم أن زوجي يكبرني بـ 10 سنوات أنا ممنونة جداً لوالدي وشكورة له، والآن أنا سعيدة جدا بهذا الزواج.
هذه حالة أحببت أن أعرضها لأن هناك حالات متناقضة.

مشاهد من ألمانيا
زوجت ابنتي لشخص مسلم وكانت هناك شروط بيني وبينه، في البداية ابنتي رفضت أن تتزوج هذا الشخص لأنها متدينة وتصلي وتصوم وتقرأ القرآن فقالت أن هذا الشخص لا يوجد فيه هذه المواصفات، فقلت لها ضعي شروطك أمامه فإذا وافق على هذه الشروط فلا مانع، وبحضور زوجتي ـ والدتها ـ وأخواتها وبحضور أهل الزوج وافق على هذه الشروط، وقال إنني أريد هذه المواصفات وأتمنى أن تكون بهذه المواصفات، وتم الزواج وفي النهاية أصبح كل شيء على طرف، فهو ـ استغفر الله ـ يكفر بالقرآن، وبكل الأديان السماوية، ولا يصلي ولا يصوم ويمنعها وأصبح هناك الكثير من الخلافات والآن هي عندي في البيت، وهي لا تريد أن ترجع لهذا الشخص، سؤالي ما هو حكم الشرع في هذه الحالة؟

المقدم
اسمح لي يا أخي، ألم تقل لك ابنتك من البداية أن هذا شخص لا يصوم ولا يصلي، ولا يلتزم بالدين ومع ذلك أنت أجبرتها على الزواج منه؟

المشاهد
أجبرتها على أساس أن الشخص وافق على هذه الشروط.

القرضاوي
يا أخي هذه الأمور لا تأتي بالشروط، فالواحد قد يشترط أن يسكنها في شقة صفاتها كذا، أما هذه الأشياء فهي أشياء أساسية فإذا لم يكن الإنسان متصفاً بها من الأساس، فلا تأتي بالشرط، اشترط أن يصلي! إذا كان هو لا يصلي كيف اشترط عليه ذلك، أو أن اشترط أن يصوم، فإذا لم تكن هذه الأشياء أخلاقاً نشأ عليها وأصبحت جزءاً من كيانه بحيث لا يمكنه التخلي عنها، فهذا هو الطبيعي، إنما هذه لا تدخل في الشروط، فهذه من مكونات الشخصية، هل هو شخص متدين أم غير متدين؟ فالبنت كانت أصوب من أبيها لأنها رأت أن هذا الشخص لا يناسبها، هي متدينة وهو غير متدين، كيف نشترط عليه أن يتدين، فلابد أن يتدين ونراه لمدة سنتين أو نحو هذا، بحيث نراه ونتأكد من تدينه أما أن نشترط عليه أن يتدين فهذا خطأ، إذا كان الشخص يكفر بالدين وبكل شيء، هذا يعتبر والعياذ بالله مرتداً، فهو لا يصلح أن تعيش ابنتك معه، ولابد أن يُفَرَّق بينهما.

مشاهد من باريس
بعض الآباء في أوروبا بشكل عام لا يزوجون بناتهم والحاملات جنسية أوروبية من الشباب المسلم الذين ليس لهم إقامة أو جنسية أوروبية هناك خوفاً من أن هؤلاء الشباب يتزوجون الفتيات فقط للحصول على الجنسية ثم بعد ذلك يطلقوهن.

القرضاوي
إذا كان الشخص ليس عنده إقامة ولا شيء فمن حق الآباء أن يتخوفوا من هذا، فهو غير مستقر فمن الممكن بين عشية وضحاها يؤمر بمغادرة البلاد أو نحو ذلك، من حق هؤلاء الآباء أن يطمئنوا على مستقبل بناتهم وكل واحد عليه أن يسعى حتى يحصل بالطريق المشروع على الإقامة وفي هذه الحالة يتقدم لمن يخطبها.

مشاهد من الدوحة
ما رأي فضيلتكم بزواج أخوان اثنين من أخوات وعملوا حفلة قبل الزواج وصوروا بواسطة كاميرا الفيديو وظهرت أخت زوجته وزوجة أخيه على شريط الفيديو فما رأي الشرع في هذا؟

القرضاوي
كيف رآها المهم ألا تكون كاشفة الشعر أو النحر، فإذا رآها محتشمة فلا حرج، إنما لو كانت غير ذلك فهذا لا يجوز شرعاً، صحيح أنها زوجة أخيه ولكنها أجنبية عنه.

مشاهد من الرياض
الزواج بغير المعتقد أي بغير المذهب الذي عليه الزوج، مثلاً الزواج من امرأة شيعية فهل هذا يجوز شرعاً؟

المقدم
وهناك أخ من فنلندا يقول: أعتقد أن الزواج الناجح يكون في نفس المستوى الدراسي ونفس الطبقة الاجتماعية ونفس الدين والمذهب، وهذا ما أعاني منه، حيث أن زوجتي شيعية المذهب، وكثيراً ما تعارضني في بعض الأمور التي أحاججها فيها من الأحاديث النبوية، وهي تستند إلى شيء آخر حتى تصل في النقاش إلى أن تقول
(لكم دينكم ولي دين)

القرضاوي
أنا مع الأخ من فنلندا وأرى أنه لابد من التقارب بحيث أنه لا ينبغي أن يظل الزوجان في نقاش دائم، هو يقول: أبو بكر، وهي تقول: علي، وليست الحياة معركة بين الزوجين، أنا لا أحرم ولكني أقول لا ينبغي، لا يستطيع لأنه لابد أن يكون هناك توافق خصوصاً لو كان شيعي متعصب، فواحد يقول: أبو بكر رضي الله عنه، والآخر يقول: لعنه الله، هذا لا ينفع ولا يستقيم هذا، لذلك أنا أقول أنه ينبغي أن يكون الزوجان متفاهمين، في ناحية الدين وفي ناحية التقارب المذهبي، فأنا لا أحرِّم لأنه أجيز الزواج من مسيحية، فإذا كان يجوز له أن يتزوج كتابية، فيجوز له أن يتزوج شيعية، ولكن ليس هذا هو الزواج المثالي، فالزواج المثالي هو أن يكون هناك تقارب ولا يكون هناك نقاش في كل قضية من القضايا، فالذي أنصح به هو الزواج من معتدلين، لقد رأيت بعض الأخوة والأخوات ولم أجد عندهم أي نوع من التعصب، ورأيت الأخ الشيعي يصلي في مساجد السنة ويقرأ كتاب السنة، ويستدل بالبخاري ومسلم، هذا ليس إنساناً متعصباً، فلما سُئلت في هذا قلت أنه يجوز أن يتزوجوا ولا حرج في هذا، وكذلك إذا كانت شيعية غير متعصبة، فهذا الذي أقوله بصراحة.

المقدم
سؤال من أخ في فيينا يقول هو يريد أن يتزوج وهو مقيم هناك منذ 10 سنوات، ولكنه لا يستطيع أن يغادر البلاد بسبب مشاكل في الإقامة، يقول هل يستطيع أن يوكل والده بالزواج عنه؟

القرضاوي
يجوز، وكثيراً ما رأينا هذا، أنا أعرف صديقاً لي من العلماء والدعاة كان في السعودية وهو مصري ولم يكن يستطيع النزول إلى مصر، وبعث إلى أهله قال لهم أريد أن تزوجوني فبعثوا له صورة واحدة وسألوه عن رأيه فيها، فقال لهم هي جيدة، فوكل أهله ـ أظن أخوه ـ أن يزوجه هذه الفتاة وكتبوا الكتاب وبعثوها إليه، وهو لم يرها من قبل وهي لم تره، قابلها في مطار الرياض، وعاشا حياة زوجية سعيدة كما تقول في نهاية الحكاية عاشوا في تبات ونبات وخلفوا صبيان وبنات، وحياتهم سعيدة، فالتوكيل في الزواج هذا لا حرج فيه.

المقدم
معي سؤال من شاب من مصر يقول أنه تعرَّف على فتاة ورفض والدها الزواج ولكنه يحبها وهي تحبه، يقول أنا شاب ملتزم وميسور الحال، وهي طبيبة في الخامسة والعشرين، الآن في حالة عدم وجود ولي لها، هل يحق لهما الزواج؟ حيث أن المذهب الحنفي وقانون الأحوال الشخصية في مصر يجيز لهما ذلك.

القرضاوي
في مصر يمكن أن يتزوجا على المذهب الحنفي، وقانون الأحوال الشخصية يجيز لهم ذلك، خصوصاً إذا كان كفئاً، ففي المذهب الحنفي يجوز للأولياء أن يعترضوا إذا تزوجت من غير كفء، فإذا كان الشخص كفئاً فيجوز هذا، وإن كنت أنا الحقيقة لا أنصح بالزواج من غير الولي، أنا أنصح كل الأطراف وهذا ما جاءت به الأحاديث، الأحاديث التي قالت "لا نكاح إلا بولي" وحتى الأم فالنبي صلى الله عليه وسلم قال "آمروا النساء في بناتهن" أي شاور امرأتك في زواج بنتها، فهذه هي الحماة، وأحياناً قد تنغص الحماة على زوج ابنتها لأنه قد يكون تزوج ابنتها من غير رضاها، إنما لو كانت راضية من أول الأمر وموافقة فلن تكدر عليه حياته فلذلك أنا أقول ينبغي أن يكون الزواج برضى كل من الزوجين الرجل والمرأة، وبرضا الأب وبرضا الأم ورضا أهل الزوج نفسه، فلا يتزوج هو وأهله رافضون لأنها ستعيش مع هؤلاء وسيكونون قريبين منها، وسيكدروا عليها حياتها، فالزواج الموفق هو الذي يتم برضا كل الأطراف المعنية بالموضوع، هذا الذي نوصي به، إنما أحياناً يحدث تعنت من الآباء أو الأولياء أو نحو ذلك، وهذا يسميه بعض الفقهاء "عاضل" أي أنه عضل الفتاة من أن تتزوج كفئها، الحديث يقول "ثلاثاً لا يؤخرن: الصلاة إذا حضرت، والدَين إذا حل، والأيم إذا حضر كفؤها" فإذا حضر كفؤها فلماذا تؤخرها، بعض الآباء عقله متركب شمال، فيؤخر البنت من غير حاجة، فيمكن في هذه الحالة أن تتزوج وخاصة لو كانت طبيبة وراشدة وناضجة ففي هذه الحالة أمرها إلى الله ولعل الأب بعد ذلك يفئ إلى رشده ويوافق على هذا الزواج ويباركه.

المقدم
ما الذي تنصح به سواء الفتيان أو الفتيات أو الأبوين في إطار هذا الموضوع لتجنب المشكلات التي تنتج عن مشكلة الزواج؟

القرضاوي
والله كما قلنا والذي نلخصه، أن يكون الدين والخلق هو أساس الاختيار من الطرفين، يكون هم الرجل المرأة الصالحة، وأن يكون هم الفتاة وأولياءها هو الرجل الصالح، من يرضون دينه وخلقه، وكما قال الشعبي: "من زوج ابنته من فاسق فقد قطع رحمها" فهو يبحث عن الرجل الصالح، فأنا أنصح الأهل والأولياء أن يسمعوا للفتاة، لا يقولون قاصرة أو كذا خصوصاً إذا كانت مثقفة وجامعية وراشدة، وأرى الفتاة أن تصغي لأهلها فكثيرا ما يكون لدى الأهل وجهة نظر، فالأخت التي تقول أنها ممنونة لأهلها فقد كانت في أول الأمر رافضة ووجدت أن اختيار أهلها كان أفضل لها، فلابد من الطرفين أن يسمع كلاهما للآخر، ففي هذا الخير كل الخير إن شاء الله.