أمراض الجهاز التناسلي في طب علي بن العباس المجوسي

Genital Tract Diseases as Viewed by Ali Ibn al-Abbas al-Majusi

 

د. عبد الناصر كعدان*

ملخص البحث

    يعتبر علي بن عباس المجوسي الأهوازي أحد مشاهير الأطباء العرب، وذلك من خلال كتابه كامل الصناعة الطبية. ويعتبر هذا الكتاب من أفضل ما ألف إبان ازدهار الحضارة العربية الإسلامية، حيث جمع فيه المؤلف كل علوم الطب التي كانت سائدة وقتئذ، مع الإشارة إلى المصادر التي اقتبس منها المؤلف حين وضعه كتابه هذا. وبالرغم من أن هذا الكتاب كان قد وصف من قبل بعض المتخصصين في تاريخ الطب بأنه ولدى مقارنتة مع كتاب القانون في الطب لابن سينا، رجحانه عليه، بالرغم من ذلك فإنه لم يحظ كتاب الكامل بالدراسة والتمحيص كما حظيه كتاب القانون في الطب. وما هذه الدراسة إلا محاولة لسبر أحد فصول هذا الكتاب والمتعلقة بأمراض الجهاز التناسلي عند الجنسين.

    في المقالة الثامنة من كتابه الكامل تحدث علي بن العباس ومن خلال أكثر من عشرين فصلا عن بعض أمراض الجهاز التناسلي التي قد تصيب الإناث أو الذكور. ففي مجال اضطرابات الشهوة الجنسية مثلا خصص فصلا خاصا للتحدث نقص الشهوة الجنسية والأدوية المستخدمة لعلاج ذلك، في حين أنه خصص فصلا آخر للحديث عن فرط الشهوة الجنسية وكيفية علاج ذلك أيضا. تحدث علي ابن العباس عن الأمراض التي تصيب رحم المرأة، وقسمها إلى أمراض تصيب الرحم نفسه وهي ما تسمى حاليا بأمراض جسم الرحم، وأمراض أخرى تصيب فم الرحم وهي ما تسمى حاليا بأمراض عنق الرحم. كما تعرض بالحديث ومن خلال فصل مستقل عن أسباب عدم قدرة المرأة على الحمل والإنجاب، مبينا علاج الكثير من تلك الحالات.

     هدف هذا البحث هو التعرض بالذكر لمختلف الأمراض التي تصيب الجهاز التناسلي لدى الذكور والإناث، مع إظهار أهم إنجازات الطبيب العربي علي بن العباس المجوسي في هذا الفرع من علم الطب، ومقارنة كل ذلك مع المعطيات الطبية الحديثة.

 

علي بن عباس المجوسي:

    ولد في مدينة الأهواز بجنوبي فارس بالقرب من جنديسابور. وبالرغم على أنه لا يعرف تاريخ مولده بالضبط، إلا أنه من المعروف أنه عاصر الرازي، وتوفي سنة 944. ألف كتابه المشهور كامل الصناعة الطبية، وأهداه للملك عضد الدولة البويهي، وقد درس الطب على موسى بن سيار[1].

   ويعتبر كتاب كامل الصناعة الطبية من أحسن الكتب الطبية في ذلك الوقت، إذ جمع فيه كل علوم الطب التي كانت معروفة وقتئذ مشيرا إلى المؤلفين الأصليين. وقد ترجم هذا الكتاب إلى اللغة اللاتينية قسطنطين الإفريقي سنة 1180 في مدرسة سالرنو تحت اسم الكتاب الملكي Liber Regius، ونسبه لنفسه[2]. ثم ترجمه ثانية إسطفان الأنطاكي حوالي سنة 1200. وقد طبعت الترجمة الأخيرة في البندقية سنة 1492، ثم طبعت مرة أخرى في ليون سنة 1523. ويمتاز هذا الكتاب عن غيره بتنظيمه ودقته، وبما جمع من أصول فن الطب ونظرياته، ويعد الكثيرون ممن قارنوا بين كتابه الكامل وكتاب القانون في الطب لابن سينا رجحان الأول على الثاني[3].

    يتألف الكتاب الكامل من جزئين، في كل منهما عشر مقالات. تكلم في الجزء الأول عن تشريح جسم الإنسان وأعضاءه، كما تكلم عن الأمراض وأعراضها. أما في الجزء الثاني فقد تكلم فيه عن طرق المداواة وتحضير الأدوية.

    وقد بين علي بن العباس في مقدمة كتابه الأسباب التي دعته لتأليف هذا الكتاب، وهي أنه لم يجد لأبقراط وجالينوس وأريباسيوس وبولس وللمحدثين في ذلك العصر أمثال اهرن القس ويوحنا بن سرابيون وماسويه والرازي مؤلفا واحدا يرجع إليه الباحثون في فن الطب لمعرفة تشخيص الأمراض على اختلافها ومعالجة العلل وطرق هذه المعالجة. ومما جاء في المقدمة أيضا: "قال أنوشروان إذا أراد الله بأمة خيرا جعل العلم في ملوكها والملك في علمائها، ولما كان العلم بصناعة الطب أفضل العلوم وأعظمها قدرا وأجلها خطرا وأكثرها منفعة لحاجة الجميع إليها، أحببت أن أضع كتابا كاملا في صناعة الطب، جامعا لكل ما يحتاج إليه المتطببون وغيرهم في حفظ الصحة على الأصحاء وردها على المرضى"[4].

    بعد ذلك استعرض علي بن عباس في المقدمة وصايا أبقراط وغيره من القدماء والمتطببين من علمائهم، وفيه ذكر صفات من أراد أن يتعلم مهنة الطب. ثم خصص فصلا آخر في المقدمة ضمنه ذكرا للرؤوس الثمانية التي ينبغي أن تعلم قبل قراءة كل كتاب.

   في الجزء الأول من كتابه الكامل وفي المقالة التاسعة والتي تبحث في الاستدلال على علل الأعضاء الباطنة، خصص علي بن عباس الباب السابع والثلاثين لدراسة علل أعضاء التناسل وأسبابها وعلاماتها، والفصل الثامن والثلاثين لدراسة علل القضيب وأسبابها وعلاماتها، وأخيرا الباب التاسع والثلاثين لدراسة علل الرحم وأسبابها وعلاماتها.

الباب السابع والثلاثون في علل أعضاء التناسل وأسبابها وعلاماتها:

    يشير علي بن عباس في هذا الفصل إلى أن أمراض الجهاز التناسلي منها ما يصيب الصفن ومنها ما يصيب القضيب ومنها ما يصيب الرحم. وفي هذا الفصل هو يتحدث عن الأمراض التي تصيب الصفن.

    يقسم آفات الصفن إلى تلك التي تصيب جرمها و تلك  التي تصيب صفاتها وجرمها.

    فالأمراض التي تصيب جرم الصفن يتحدث علي بن عباس عن ذهاب شهوة الجماع وقلة سيلان المني وأصناف الورم والقروح التي تعرض لها.

    أولا- ذهاب شهوة الجماع: يبين علي بن عباس أنه قد يحدث ذلك بسبب الإصابة بالفالج، أو بسبب قلة المني الناجم عن سوء التغذية أو سوء المزاج.

    ثانيا- الأورام العارضة للصفن: ويصنفها إما أوراما حارة؛ وهنا يكون الورم كبير الحجم ومحمر اللون ومؤلم مع سخونة، أو أورام باردة؛ وتكون بيضاء اللون ورخوة الملمس وغير مؤلمة.

     يبدو أن علي بن عباس في هذا الفصل قد جمع بين أورام الخصية السليمة والخبيثة.  ويعتمد مبدأ علاج كل هذه الأورام حاليا على شق كيس الصفن ثم شق الصفاق الأبيض واستخراج الخصية بعد أن يتم ربط الأوعية وقطع الخصية عن البربخ، وفي حالة التصاق الخصية بالأنسجة المحيطة بها يتم تسليخ الخصية واستخراجها.

    ثالثا- الاستسقاء، ويصفه علي بن عباس بقوله: "وأما ما يعرض فيما بين جرم الأنثيين وصفاقهما بمنزلة ما يعرض في الاستسقاء، ويستدل عليه بما يعرض من الانتفاخ والتمدد وبياض اللون والبريق وظهور الماء تحت الملمس"[5]

    يتحدث علي بن عباس هنا عما نسميه اليوم بالقيلة المائية Hydrocele. وهي عبارة عن ازدياد مقدار السوائل في القميص الغلافي المحيط بالخصية. ومن المعروف حالياً أن هناك أسباباً متعددة للقيلة المائية. وحالياً تعرف أربعة أنواع للقيلة[6]: 1- القيلة المائية المزمنة: وهي أكثر الأنواع مشاهدة حاليا. 2- القيلة المائية العرضية: وهي تلي آفة التهابية حادة أو مزمنة بالبربخ أو على أثر الإصابة بورم.
3- القيلة المائية الخلقية: وتحدث نتيجة بقاء القناة القميصية الغلافية مفتوحة ومتصلة بأعلاها بجوف البريطوان بثقب صغير يسمح بمرور السوائل. 4- القيلة الحبلية: أو كيسة الحبل المنوي.

لقد تحدّث بعض الأطباء العرب عن القيلة، فالرازي مثلاً نصح لعلاجها بإجراء
البزل والكي: "وعلاجه، إما العلاج التام الذي لا يعود معه فبأن يبزل ويكوى بعد البزل وإفراغ ما فيه، ويبزل ناحية عن درز كيس البيضتين بمبضع الفصد فيبدر منه الماء كأنه
دم الفصد"[7].

    رابعا- الفتوق: وهنا يشير إلى الأسباب التي قد تسبب مثل تلك الفتوق، يقول: "والأسباب العامة لهذه هي إما من وثبة وإما ضربة وإما صيحة قوية لا سيما بعد الاغتذاء"[8]. ثم يشير إلى أنه قد ينزل في هذا الانفتاق الثرب أو المعي، وقد يصاب الفتق بالاختناق حيث قد يؤدي إلى وفاة العليل. وهنا يتحدث علي بن عباس عن التشخيص التفريقي لحالتي الاستسقاء والفتق وعلى نحو قريب جدا مما يلجأ إليه اليوم للتفريق بين الحالتين. يقول في ذلك: "والدلائل العامة التي يستدل بها على ما كان من انخراق الصفاق أو تمدده وخلع المعي هو الورم الظاهر في الخصى فإن أصحابه إذا استعملوا شيئا من الرياضة والتوثب أو حبس النفس وشيئا آخر مما يشبه ذلك يصير الورم أعظم مما كان، وإذا غمز عليه يكون رجوعه إلى فوق بطيئا ويكون نزوله أيضا بطيئا، ويبقى المعي من فوق على شكله الخاص وفي موضعه حتى يقوم العليل قائما"[9].

    يبحث علي ابن عباس هنا في ما يعرف اليوم بالفتوق الأربية Groin hernia. ومن المعتقد حالياً أن موضوع الفتوق كان معروفاً لدى الأطباء القدامى، وأكثر الأطباء العرب قد تحدثوا عنها بما فيهم الرازي وابن سينا، ولعل الأخير هو أكثر من أفاض بالحديث عن الفتوق محدداً في البداية تعريف الفتق وكيفية حدوثه (أي الآلية المرضية) ثم أسبابه المختلفة وعلامات كل نوع من الفتوق وأخيراً تكلم بإسهاب عن علاج الفتوق ذاكراً معاجين ومراهم مختلفة بالإضافة إلى اللجوء للكي[10]. والرازي أيضاً تحدث عن ذلك إنما بشكل مختصر وقد أفرد فصلاً للحديث عن القيل والفتوق والأورام في الخصى والقضيب[11].

 يحدد علي بن عباس في البدء أسباب الفتق وتتلخص كلها بحدوث إجهاد على صفاق البطن مؤديا لحدوث الفتق. وقد ميز نوعين من الفتق، نوع يترافق بحدوث شق في الصفاق والنوع الآخر يحدث بسبب تمدد هذا الصفاق، وقد أجرى التشخيص التفريقي بين كلا النوعين، وهذا الأمر ينطبق مع ما يعرف اليوم بنوعي الفتوق المغبنية المباشرة وغير المباشرة.

كما تعرض علي بن عباس أيضاً للحديث عن احتباس الفتق وهو ما ندعوه اليوم بالفتق المختنق، وينذر بأنه إذا حدث ذلك فقد يهلك العليل وهذا بسبب ما يعرف حالياً بتموت العروة المعوية المختنقة وما ينجم عن ذلك من حدوث التهاب البريطوان، والذي قد يؤدي في بعض الحالات إلى الموت إذا لم يعالج المريض جراحياً.

     خامسا- دوالي الحبل المنوي: يشبهها علي بن عباس بدوالي الساقين. يقول في وصفها: "ويستدل على ذلك بظهور عروق ممتلئة ملفوفة كأنها عنقود واسترخاء الأنثيين (الصفن) وعسر حركتهما وعسر في المشي، وأكثر ما يعرض ذلك في الخصية اليسرى وذلك لضعف هذه الخصية ونقصان الحرارة فيها"[12].

   لقد كانت دوالي الحبل المنوي معروفة جيداً لدى الأطباء العرب، وقد وصفها ابن سينا بقوله: "قد يظهر على الصفن وما يليه دوال ملتوية كثيرة، وربما احتقن فيها ريح وتواتر عليها اختلاج وكثيراً ما يتولد عليها ورم صلب وهو من جنس الأورام الباردة، وأكثر ما يعرف في الجانب الأيسر[13] لضعفه ولأن له عرقاً زائداً يصب المواد إليه[14]".

يتلخص علاج هذه الحالة حالياً بإجراء ربط الوريد المنوي الباطن والاعتماد على الدوران الوريدي الإضافي لتأمين العود الوريدي الخصوي[15].

   سادسا- أمراض تصيب جلدة الصفن كأنواع البثور والقروح والحكة وغير ذلك مما يعرض في ظاهر البدن، واسترخاء الجلدة من خارج من غير أن تسترخي الأجرام من داخل.

 

الباب الثامن والثلاثون في علل القضيب وأسبابها وعلاماتها:

يشير علي ابن عباس في هذا الفصل إلى أنه قد يصاب القضيب بعلل في جرمه أو في مجراه. ويمكن تعداد علل القضيب حسب ما ذكرها علي بن عباس وفق ما يلي:

    أولا- القسوح: وهي كثرة انتشار القضيب. وتحدث كما يذكر علي بن عباس عن ريح تتولد في نفس القضيب، أو عن رطوبة غليظة لزجة وحرارة معتدلة.

    يعتبر القسوح حاليا من الحالات المعروفة جيدا، وتعالج بالتداخل الجراحي.

    ثانيا- الأورام والقروح: وهي تصيب القضيب كما تصيب أي عضو ظاهر من البدن، ولها نفس الدلائل والعلاجات. يقول في ذلك: "وأما الورم والقروح العارضة للقضيب فحدوثها بمنزلة حدوثها في جميع الأعضاء الظاهرة ودلائلها كدلائلها[16]".

   ثالثا- انسداد مجرى القضيب: ويستدل على ذلك من بحدوث حرقة البول وعسر خروجه وترافق البول بالمدة[17] والدم.

 

الباب التاسع والثلاثون في علل الرحم وأسبابها وعلاماتها:

    تعرض علي بن عباس في هذا الفصل بالحديث لأكثر أمراض الرحم التي كانت معروفة وقتئذ. ومن أهم تلك الأمراض نذكر:

    أولا- احتباس الطمث: ويورد علي بن عباس في البداية أن أسباب احتباس الطمث هي قد تكون بسبب آفات في الرحم أو بسبب مرض ما في الدم أو بسبب مرض عام في الجسم. فمن الأسباب الرحمية يذكر الأورام والتشوهات في جسم الرحم والإسقاط أو رضوض الرحم أو انسدادات في الرحم بسبب أورام أو غيرها. من المعروف حاليا بأن هذه الأسباب وغيرها من الأسباب كثيرا ما تؤدي لحدوث انقطاع الطمث.

    ثم يتعرض علي بن عباس بالحديث للأعراض والعلامات التي قد تشكو منها المريضة كحس الثقل في البطن وفي جميع البدن ووجع البدن ووجع الظهر والرقبة واحتباس البول والبراز، وذهاب شهوة الطعام، وربما اشتهت المرأة الأطعمة الرديئة.

    ثانيا- النزف: وهو عكس احتباس الطمث. ويعرفه علي بن عباس بقوله: "وأما النزف فهو كثرة خروج الدم من الرحم. وحدوثه يكون إما من إفراط استفراغ دم الطمث وهذا يكون إما من ضعف القوة الماسكة، وإما من رقة الدم ولطافته وحدته وإما من كثرة الدم وامتلاء العروق وتمددها وإما من انخراق بعض عروق الرحم بسبب خلط حاد وتأكل أو صدع"[18].

    ثالثا- السيلان: ويصفه علي بن عباس بأنه رطوبة تسيل من فم الرحم، وهذه الرطوبة إما أن يكون تولدها في الرحم نفسه أو من فضول تصير إليه من جميع البدن. بعد ذلك ميز أنواع السيلان حسب اللون، يقول في ذلك: "ويستدل على نوع ذلك الفضل من لون الرطوبة وجوهرها وذلك أنها ربما كانت حمراء فتدل على أنها دموية وربما كانت بيضاء فتدل على أنها بلغمية وربما كانت صفراء فتدل على أنها صفراوية، وربما كانت سوداء فتدل على أنها سوداوية. وكثيرا ما تكون مائية شديدة السيلان، وربما كانت غليظة لزجة"[19].

    رابعا- اختناق الرحم: هذه الحالة هي على ما يبدو حالة الرتقاء، ويصفها علي بن عباس على أنها علة رديئة جدا تسبب احتباس دم الطمث في الرحم.

    تعتبر حالة الرتقاء حاليا أو ما يسمى بانسداد غشاء البكارة Imperfotated hymen من الحالات الكثيرة المصادفة نسبياً. وقد تحدّث عنها بالتفصيل ابن سينا أيضاً. وقد قال في وصفها: "المرأة الرتقاء هي التي إما على فم فرجها ما يمنع الجماع من كل شيء زائد عضلي أو غشائي قوي أو يكون هناك التحام عن قروح أو عن خلقة وإما نتن فم الرحم وفم الفرج على أحد هذه الوجوه بأعبائها. وقد يعرض للجارية عند ابتداء الحيض أن لا يجد منفذاً لأحد هذه الأسباب فيعرض لها أوجاع شديدة وبلاء عظيم[20]".

إن علاج هذه الحالة هو الجراحة لا غير، وهو نفس رأي ابن سينا، وذلك بخرق هذا الغشاء بالإصبع، أما إذا كان الصفاق سميكاً فيشق بمبضع عريض يشبه ورقة الآس.

من المعروف حالياً بأن انسداد غشاء البكارة قد لا يتظاهر بأي عرض حتى سن البلوغ حيث تبدأ الأعراض بعدم ظهور دم الطمث (بسبب الاحتباس)، وتظهر أعراض دورية من الألم تدوم عدة أيام ثم تزول تدريجياً، وفي كل مرة يزداد الدم المحتبس خلف الانسداد مكوناً ورماً دموياً فيمدد المهبل ثم لا يلبث أن يمتد الورم الدموي إلى عنق الرحم والرحم، ويصبح الألم عندها مستديماً مع نوب اشتداد دورية توافق أيام الطمث. تعالج هذه الحالة حالياً بالتداخل الجراحي لشق غشاء البكارة المنسد وتفجير الورم  الدموي المتكون[21].

خامسا- أورام الرحم: ويصنفها علي بن عباس إلى أورام حارة وأورام صلبة. فالأورام الحارة إما خارجية أو داخلية، وتترافق بحمى ووجع في الرأس والرقبة لاسيما في اليافوخ. بعد ذلك يذكر أن هذا الورم الحار قد يصبح خراجا عندها يسمى بالدبيلة، وفي هذه الحالات تكون الأعراض أشد وأقوى ويضاف إليها القشعريرة.

ثم يذكر علي بن عباس الورم السرطاني الذي يحدث في الرحم، ويصفه بأنه ورم صلب متحجر. يقول في ذلك: "وهو ورم صلب متحجر وحدوثه يكون كما قلنا من مادة سوداوية أو مرة سوداء تتولد في الموضع، وأكثر حدوثه يكون مما يلي فم الرحم. وربما كان السرطان مع تقرح وربما كان بغير تقرح فيستدل عليه بالوجع الشديد في الإربيتين وأسفل البطن والعانة والظهر"[22].

تحدث عن هذا المرض أغلب الأطباء العرب، حيث ذكره الرازي معدداً أسبابه بقوله: "قد يعرض ذلك
الورم أي الورم الحار- في الرحم من احتباس الطمث، أو من عسر الولادة، أو من ضربة على الرحم، أو امتداد فيه[23] . ثم يتناول بالشرح كل نوع واصفاً طريقة علاج كل منها حيث أن أغلبها يعالج بحقن الرحم ببعض الأدوية والدهونات.

لقد وصف الزهراوي في كتابه التصريف لمن عجز عن التأليف طريقة شق خراج باطن الرحم وذلك بعد أن يتم وضع منظار عنق الرحم، ثم نصح بوضع الفتائل (أو ما يدعى بالمفجر اليوم)التي تغمس ببعض المواد المقبضة.

تشابه الحالة الذي ذكرها علي بن عباس  مع ما يعرف اليوم بتقيح باطن الرحم Pyometra حيث يتظاهر هذا المرض بألم أسفل البطن مع ترفع حروري وضخامة الرحم، وتعالج هذه الحالة حالياً بتوسيع عنق الرحم مع وضع مفجر مطاطي خلال العنق والذي يترك لعدة أيام مع إعطاء الصادات بالطريق العام[24].

سادسا- ثآليل فم الرحم: حيث يمكن التعرف عليها كما يشير علي بن عباس عن طريق فتح فم الرحم بالآلة التي يفتح بها الرحم فإنها تتبين بحاسة اللمس والبصر. وكذلك يشير إلى إمكانية إصابة الرحم بالبواسير كتلك التي تصيب المقعدة، بالإضافة إلى إصابته بالبثور والقروح أيضا.

سابعا- علامات الحمل: يقول علي بن عباس في ذلك: "من هذه العلامات: أن لا يجري منها دم الطمث على ما كان يجري بالطبع، ولا تشتهي الجماع ويكون لون العروق التي في بدنها أخضر والثديان ناهدين أكثر مما كانا، ويكون بياض العين كمدا إلى الخضرة، ولون الوجه كذلك مع نمش وبرش، ويعرض لها غشي وقلة شهوة الغذاء، وتميل إلى الشهوات الرديئة"[25].

أما فيما يتعلق بكون الجنين ذكرا أو أنثى، فهو يشير إلى أنه إذا كان ذكرا كان لون المرأة حسنا وحركتها خفيفة وبطنها مستديرة ولون حلمتي ثدييها أحمر يميل إلى السواد. وإذا كان لون المرأة سمجا وحركتها بطيئة وبطنها متطاولا وبها كلف كان الجنين أنثى، وكذلك إذا عرض لها في ساقيها أورام وقروح.

ثم يتعرض بالذكر إلى مسألة إسقاط الأجنة، فهو يفند أسبابها إما خارجية أو داخلية ويذكر ذلك بالتفصيل.

في نهاية هذا الفصل يذكر بعض الأجنة المشوهة، كما يذكر أن المرأة قد تحمل بثلاثة أجنة أو أربعة، وقد رأى ذلك بنفسه. أما بخمسة أجنة فقد سمع عن ذلك.

 

في الختام: من الاستعراض السابق عن بعض الأمراض التناسلية والتي تصيب المرأة والرجل وذلك كما أوردها علي بن عباس المجوسي في كتابه كامل الصناعة الطبية يتبين لنا المدى العلمي الواسع الذي اضطلع به هذا الطبيب العربي، شأنه في ذلك شأن كل الأطباء العرب الأوائل الذين لم يكتفوا فقط بنقل علوم الأولين، بل إنهم أضافوا الكثير من المعلومات التي حصلوا عليها من خلال ممارستهم الطب في البيمارستانات التي كانت منتشرة في كل حواضر العالم الإسلامي.

 

المصادر والمراجع:

- ابن أبي أصيبعة، أحمد بن القاسم. عيون الأنباء في طبقات الأطباء، دار مكتبة الحياة، بيروت.

- ابن سينا، الحسين بن علي. القانون في الطب، دار صادر، بيروت، ثلاثة أجزاء.

- البابا، د.محمد زهير. تاريخ وتشريع وآداب الصيدلة، 1986م، ط3، مطبعة طربين، جامعة دمشق.

- د.حمامي، عبد الرزاق والمجموعة. الأمراض النسائية، 1982، منشورات جامعة حلب، كلية الطب.

- الخياط، محمد هيثم والمجموعة. المعجم الطبي الموحد، 1983، ط3، ميدليفانت- سويسرا.

- الرازي، أبو بكر. التقسيم والتشجير، تحقيق وترجمة د.صبحي محمود حمامي، 1992، منشورات معهد التراث العلمي العربي، جامعة حلب.

- الرازي، أبو بكر. الحاوي، 1962، ط1، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية بحيدر أباد، الدكن، الهند، ثلاثون جزءاً.

-       الشطي، د.أحمد شوكت. تاريخ الطب وآدابه وأعلامه، 1982، مديرية الكتب والمطبوعات بجامعة حلب.

- د.العطار، محمد أديب. د.نحاس، وليد. موجز أمراض الجهاز البولي والجهاز التناسلي عند الذكور، 1978، مطبعة جامعة دمشق، دمشق.

- المجوسي، علي بن عباس. كامل الصناعة الطبية، منشورات معهد تاريخ العلوم العربية والإسلامية، سلسلة الطب الإسلامي، المجلد 41، 1996، فرانكفورت جمهورية ألمانيا الاتحادية.

- د.نحاس، وليد. الجراحة الصغرى، 1977، المطبعة التعاونية، دمشق.

 

 .

-         Benson R. C. et al. Current Obstetric and Gynecologic Diagnosis and Treatment. 3rd edn. 1980.

***

 

 


 


* دكتوراه في تاريخ الطب

  رئيس قسم تاريخ العلوم الطبية معهد التراث العلمي العربي

[1] عيون الأنباء في طبقات الأطباء، ص 319 320.

[2] تاريخ وتشريع وآداب الصيدلة، ص 151.

[3] تاريخ الطب وآدابه وأعلامه، ص 231 235.

[4] كامل الصناعة الطبية، ص 3.

[5] كامل الصناعة الطبية، ج1، ص 382.

[6] موجز أمراض الجهاز البولي والجهاز التناسلي عند الذكور، ص424.

[7] التقسيم والتشجير للرازي، ص476.

[8] كامل الصناعة الطبية، ج1، ص 382.

[9] كامل الصناعة الطبية، ج1، ص 383.

[10] القانون في الطب، ج2، ص605-608.

[11] التقسيم والتشجير للرازي، ص470-480.

[12] كامل الصناعة الطبية، ج1، ص 383.

[13] من المعروف حالياً كثرة تواتر دوالي الحبل المنوي في الطرف الأيسر أكثر من الأيمن،
وتفسير ذلك أن الانصباب الذي يكون بشكل زاوية قائمة للوريد المنوي الأيسر على الوريد الكلوي يساعد على سهولة عودة الدم من الوريد الكلوي إلى الأوردة الخصوية في حالة قصور الدسامات الوريدية المنوية.

[14] القانون في الطب، ج2، ص553.

[15] موجز أمراض الجهاز البولي والجهاز التناسلي عند الذكور، ص420-423.

[16] كامل الصناعة الطبية، ج1، ص 383 384.

[17] هي القيح.

[18] كامل الصناعة الطبية، ج1، ص 384 385.

[19] كامل الصناعة الطبية، ج1، ص  385.

[20] القانون في الطب، ج2، ص594-595.

[21] الأمراض النسائية، ص146-147.

[22] كامل الصناعة الطبية، ج1، ص  386 387.

[23] التقسيم والتشجير للرازي، ص408.

[24] الأمراض النسائية، ص99-100.

[25] كامل الصناعة الطبية، ج1، ص  390.